محمد أبو زهرة

610

زهرة التفاسير

والفرق المذكور في الرواية الأولى هو مكيال يسع ما وزنه من البر نحو ستة عشر رطلا . والحديث بروايتيه قد بين ترتيب الأنواع الثلاثة ، فهي ليست بدرجة واحدة ؛ وبين مقدار الصيام ومقدار الصدقة ، والله عليم خبير . فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ بعد أن بين سبحانه وتعالى طريق الإحلال عند الإحصار ، وطريق الإحلال الجزئي من بعض المحرمات عند المرض أو الأذى ، بين الإحلال حال الأمن ، فقال : فَإِذا أَمِنْتُمْ أي إذا زال خوفكم من العدو وعندكم فرصة الحج من عامكم هذا . والحكم الذي سيتبين من بعد يشمل حال الأمن المستمر ، ولا يقتصر على الأمن العارض بعد الإحصار فقط ؛ لأن الحكم إذا كان ثابتا للأمن العارض بعد الخوف ، فأولى أن يثبت للأمن المستمر الذي لا خوف معه ؛ أو نقول إن كلمة أَمِنْتُمْ المراد بها ثبوت حال الأمن سواء أكان عارضا بعد ضده أم كان حالا مستمرة ؛ فإن الماضي يدل في كثير من أحواله على الإخبار عن الحالات المستمرة . والتمتع أصل معناه الانتفاع الممتد المستمر ؛ مأخوذ من المتوع بمعنى الامتداد والارتفاع ؛ والمراد هنا معنى إسلامي ، وهو الجمع بين العمرة والحج في عام واحد على أن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج ؛ فمعنى قوله تعالى : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أي فمن أحرم بالعمرة منتفعا بعبادته ونسكه إلى أن أحرم بالحج ، فلكى يتحلل في إبان التحلل يذبح هديا . . إلى آخره . وسمى ذلك الجمع تمتعا ؛ لأن المحرم يجمع بين متعة الروح ومتعة الجسد ، فيحرم بالعمرة ويستمر فيها ، وتلك متعة روحية ، ويجوز أن يتحلل منها ثم يحرم بالحج ، وتلك متعة جسدية ، ثم هو يعتمر ويحج في سفر واحد ، وتلك متعة مادية ؛ من أجل ذلك سمى هذا تمتعا .